كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية أنَّ شبكة مالية سرية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني استخدمت منصة “بينانس”، أكبر منصات تداول العملات الرقمية في العالم، لتحويل مئات ملايين الدولارات بهدف تمويل أنشطة عسكرية وأمنية إيرانية رغم العقوبات الأميركية المشددة.
وقالت الصحيفة في تقريرها إن رجل الأعمال الإيراني بابك زنجاني، المعروف بعلاقاته الوثيقة بالنظام الإيراني، أنشأ شبكة معقدة لتحويل الأموال عبر العملات المشفرة، مستفيداً من ثغرات داخل منصة “بينانس” للتحايل على العقوبات الغربية.
وأوضح التقرير أن الشبكة أجرت معاملات مالية تجاوزت 850 مليون دولار خلال عامين فقط، حتى كانون الأول الماضي، معظمها عبر حساب رئيسي واحد على منصة “بينانس”، فيما تولى مقربون من زنجاني، بينهم شقيقته وشريكته العاطفية ومدير شركته، تشغيل حسابات إضافية مرتبطة بالشبكة.
وبحسب تقارير الامتثال الداخلية في “بينانس”، فإن جميع هذه الحسابات كانت تُدار من الأجهزة ذاتها، وهو ما اعتبره محققو المنصة دليلاً على وجود عملية منظمة للالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.
ورغم التحذيرات الداخلية المتكررة، ظل الحساب الرئيسي للشبكة نشطاً لمدة لا تقل عن 15 شهراً، واستمر عمله حتى كانون الثاني الماضي، وفق التقرير.
وأشار التحقيق إلى أن هذه التحويلات تمثل جزءاً من مليارات الدولارات التي تدفقت عبر “بينانس” إلى شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني خلال العامين الأخيرين، استناداً إلى تقارير امتثال داخلية، وبيانات سلسلة الكتل “بلوك تشين”، ومعلومات من أجهزة إنفاذ قانون أجنبية وباحثين متخصصين في العملات الرقمية.
ووفقاً لمسؤولين أجانب مختصين بمتابعة تمويل الإرهاب، فإن نحو 425 مليون دولار من معاملات زنجاني يعتقد أنها خصصت بشكل مباشر لتمويل الأنشطة العسكرية الإيرانية، بما في ذلك دعم الحرس الثوري.
كذلك، كشف التقرير عن تحويلات أخرى مرتبطة بإيران عبر “بينانس”، من بينها 107 ملايين دولار حولها البنك المركزي الإيراني العام الماضي باستخدام العملات المشفرة، إضافة إلى معاملات مباشرة بقيمة تقارب 260 مليون دولار بين حسابات على “بينانس” ومحافظ رقمية مرتبطة بجهات إيرانية خاضعة للعقوبات.
وأشار التحقيق أيضاً إلى أن محفظة رقمية مجهولة تلقت أموالاً عبر “بينانس” ثم حولت نحو 218 مليون دولار إلى شبكة تمويل تابعة للدولة الإيرانية في عام 2023، وهو ما أكدته بيانات “بلوك تشين”.
وأضاف التقرير أن هذه الأموال تضاف إلى نحو 1.7 مليار دولار أخرى قالت “وول ستريت جورنال” سابقاً إن محققي “بينانس” ربطوها بشبكات تمويل إيرانية.
واتهم التقرير كيانات إيرانية باستخدام وسائل متطورة لتحويل الأموال عبر العملات الرقمية بعيداً عن أنظمة الرقابة التقليدية، موضحاً أن بعض المحققين الداخليين في “بينانس” أُجبروا على الاستقالة بعد إثارتهم مخاوف بشأن حسابات مرتبطة بشركاء تجاريين للمنصة.
وفي ردها على التقرير، نفت “بينانس” السماح بأي نشاط يخالف العقوبات الأميركية، مؤكدة أنها تعاملت مع المخاطر بشكل مناسب، وأن الكيانات الخاضعة للعقوبات أُزيلت لاحقاً من المنصة.
كذلك، رفعت الشركة دعوى قضائية ضد “وول ستريت جورنال”، معتبرة أن التقرير تضمن معلومات مضللة، فيما تمسكت الصحيفة بصحة ما نشرته.
وأشار التحقيق إلى أن معظم الأموال التي مرت عبر “بينانس” إلى الشبكات الإيرانية جاءت من عائدات بيع النفط الإيراني إلى مشترين صينيين، ضمن تجارة وصفتها الصحيفة بأنها تخضع لإشراف الحرس الثوري الإيراني وتشكل أحد أهم مصادر تمويل النظام.
وأضاف التقرير أن هذه التدفقات المالية استمرت حتى بعد إقرار “بينانس” بالذنب عام 2023 في قضايا تتعلق بغسل الأموال وانتهاك العقوبات الأميركية، وهي القضية التي انتهت بتغريم المنصة 4.3 مليارات دولار، وسجن مؤسسها تشانغبينغ تشاو أربعة أشهر.
كذلك، لفت التحقيق إلى أن منصة “بينانس” أصبحت داعماً رئيسياً لمشروع العملات الرقمية الخاص بعائلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “وورلد ليبرتي فاينانشال”، الذي حقق لعائلة ترامب أكثر من 1.2 مليار دولار منذ عام 2024، بحسب التقرير.
وفي السياق ذاته، كشفت الصحيفة أن وزارة العدل الأميروكية تواصل تحقيقاتها بشأن استخدام إيران لمنصة “بينانس” للتحايل على العقوبات، فيما ناقش مسؤولون من وزارة الخزانة الأمريكية مع إدارة “بينانس” خلال اجتماع في آذار الماضي مخاوف تتعلق بالتزام المنصة بشروط الرقابة المفروضة عليها.
وبحسب التقرير، لجأت إيران خلال السنوات الأخيرة إلى العملات الرقمية كوسيلة أساسية للالتفاف على العقوبات الدولية وتحويل الأموال بعيدا عن النظام المالي التقليدي، فيما قدّرت شركة “تي آر إم لابس” حجم تعاملات الإيرانيين بالعملات المشفرة بأكثر من 10 مليارات دولار خلال العام الماضي.